عباس حسن

39

النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة

مراعاة ناحيته المحلية . والإلغاء لا يجوز في توابعه إلا مراعاة الناحية الواحدة التي هو عليها ؛ وهي الناحية الظاهرة المحضة . ( ه ) أن التعليق لا بد فيه من تقدم الناسخ على معموليه ؛ ومن وجود فاصل بعده له الصدارة . أما الإلغاء فلا بد فيه من توسط « 1 » الناسخ بينهما ، أو تأخره عنهما ؛

--> ( 1 ) يذكر النحاة بعض أمثلة يستدلون بها على أن الإلغاء قد يقع والفعل الناسخ متقدم على مفعوليه ، وليس متوسطا ولا متأخرا . ثم يؤولون تلك الأمثلة تأويلا يخرجها من حكم الإلغاء ، ويدخلها في أحكام أخرى مطردة تنطبق عليها بعد ذلك التأويل . وهذا تكلف مردود ، وتصنع يجب البعد عنه ، منعا للفوضى في التعبير ، والخلط في الأصول العامة . فمن تلك الأمثلة قول الشاعر : أرجو وآمل أن تدنو مودتها * وما إخال لدينا منك تنزيل فالفعل : « إخال » قد ألغى ؛ فلم ينصب المفعولين : « لدى » و « تنويل » مع أنه مقدم عليهما . ومع تقدمه فكلمة « لدى » ظرف ، خبر متقدم ، وكلمة : « تنويل » مبتدأ مؤخر . أي : أنه لم ينصبهما ؛ بدليل رفع الثانية . فما السبب في الإلغاء ؟ لا سبب . لهذا ينتحلون ما يجعل الأسلوب صحيحا . فيتخيلون وجود « ضمير شأن » مستتر بعد الفعل : « إخال » ؛ فالتقدير : « إخاله . فيكون ضمير الشأن المستتر هو المفعول به الأول ، وتكون الجملة الاسمية بعده : ( لدينا تنويل ) في محل نصب ، تسد مسد المفعول الثاني ، إذ يصح في الأفعال القلبية - كما سبق ، في « ا » ن ص 23 - أن يكون مفعولها الثاني جملة أو غيرها . وبهذا التأويل الخيالي لا يوجد في الكلام ناسخ متقدم لم يعمل . أي : لا يوجد في الكلام إلغاء ، ولا مخالفة لوجوب عمل الناسخ المتقدم . . . فلم هذا ؟ ما فائدته ؟ إن واقع الأمر صريح في مخالفة التعبير للقاعدة . والسبب هو الضرورة الشعرية ، أو المسايره للغة ضعيفة ، أو ما إلى ذلك مما يخالف اللغة الشائعة في البيان الرفيع الذي يدعونا لهجر تلك التأويلات ، والفرار منها ؛ حرصا على سلامة اللغة ، وإيثارا للراحة من غير ضرر ، والاقتصار في القياس على ما لا ضعف فيه ، ولا شذوذ ، ولا تأويل . . . ومن الأمثلة أيضا قول الشاعر : كذاك أدّبت حتى صار من خلقي * أنى وجدت ملاك الشيمة الأدب ففي البيت فعل قلبي ( هو : وجد ) لم ينصب ، مع أنه متقدم . فلماذا أصابه الإلغاء مع تقدمه ؟ يجيبون بمثل الإجابة السابقة ؛ فيتأولون . ويتخيلون وجود « ضمير شأن » مستتر بعد ذلك الفعل ، ويعربون هذا الضمير مفعوله الأول ، والجملة الاسمية : « ملاك الشيمة الأدب » في محل نصب سدت مسد المفعول به الثاني . أو : يقولون : إن الفعل أصابه « التعليق » بسبب وقوع لام ابتداء مقدرة بعده ، وأصل الكلام كما يتخيلون : « أنى وجدت لملاك الشيمة الأدب » . . . وفي هذا ما في سابقه مما يوجب عدم الأخذ بمثل هذا التخيل ، والتأول ، واتقاء ضرره بالاقتصار على ما لا حاجة فيه إلى تصيد وتحايل .